google+ facebook twitter youtube
على مسؤوليتي: خدام الدولة الرياضيون

على مسؤوليتي: خدام الدولة الرياضيون

حسن البصري - 04/08/2016 - 09:16

حسن البصري

عاش عدد من الأبطال المغاربة الذين رفعوا راية المغرب خفاقة في المحافل الرياضية نهاية قاتمة وبئس المصير، كانوا إلى زمن قريب يحصدون الألقاب ويسمعون نشيد الوطن لمن به صمم، لكن الزمن أدار ظهره لهم وحولهم إلى كائنات تركض خلف كسرة خبز مبللة بالعرق.

ولأننا نعيش أجواء أولمبياد ريو دي جانيرو، فإن المناسبة شرط عين لاستحضار خدام الدولة الذين حملوا قميص المنتخب المغربي وساهموا في رفع شأن الوطن، قبل أن يتربص بمشوارهم المتربصون ويجعلون ختامه زفت.

يذكر التاريخ البطل العالمي عبد السلام الرياضي، الذي أهدى المغاربة أول ميدالية أولمبية في تاريخه، حين حاز على فضية دورة الألعاب الأولمبية بروما سنة 1960. وكيف توقف عداد العيش الكريم عن الدوران. لقبه خبراء ألعاب القوى بقاهر المسافات وحين اعتزل الجري قهره الزمن وطوقه المرض وأصبح اللقب الوحيد الذي يسعى إليه هو الظفر بلقمة عيش.

حملت زوجته فاطمة بوعياد صور الراضي وهو يلف جسده في علم الوطن، وطرقت أبواب القائمين على البلاد والعباد، فقيل لها إن الوطن لا يحمي المغفلين فعادت إلى بيتها وهي تلعن الرياضة والرياضيين. نصحها أحد العارفين بدواليب السلطة بعرض نكبة زوجها على والي المدينة، الذي يقتسم مع عبد السلام الانتماء القبلي ورابطة الدم، فطرقت بابه وتخطت حواجز ديوانه، وقصت حكاية الجحود على المسؤول الذي أعطى تعليماته لرئيس الموارد البشرية بالولاية وقرر توظيف البطل المغوار في منصب “شاوش” ينقل الملفات من مصلحة إلى أخرى كما ينقل كؤوس الشاي والقهوة لموظفين لا علم لهم بتاريخ وافد جديد منتصب القامة يمشى مهموم الهامة يمشي.
أصيب الراضي بمرض السرطان وعاش آخر مبارياته ضد خصم لا يقهره إلا السلاح الكيماوي، ولأنه بدون تغطية صحية فإن إقامته في المستشفي استنزفت ما تبقى من جهد ومال أسرته، فاضطرت الزوجة إلى بيع ما تملك من أثاث لتدبير مصاريف العلاج الباهظة، بل إن فطيطم وجدت نفسها مجبرة على بيع ميداليته الفضية التي حصل عليها في أولمبياد روما لأحد باعة التحف القديمة بالجوطية.

قبل عشر سنوات تمكن السرطان من كسب المعركة وهزم بطلنا الراضي، أمام صمت الجميع، وحين عادت أرملته الثكلى من المقبرة وزع عليها المسؤولون تعبئة مضاعفة من الوعود، وبعد أن تخلصت من ثوب الحداد حاولت الاتصال بأصحاب القرار تصدت لها علبة صوتية وطردتها بعيدا وهي تقول إن “مخاطبكم مشغول المرجو ترك رسالتكم”. تساءلت الأرملة المكلومة عن مفهوم المواطن الصالح فقال لها العارفون بقاموس المخزن “إن المواطن الصالح هو الذي لا يدس أنفه إلا في منديله”، وقال دعاة المشي في ظل الحيطان الرطبة، إن الغباء دليل على المواطنة الصالحة، وفي رواية أخرى عنوان لها.

صرفت المرأة النظرة عن مفهوم خادم الدولة وأيقنت أن زوجها الراحل كان يؤمن بالقول المأثور “خادم الناس سيدهم”، وقصدت مؤسسة محمد السادس للأبطال الرياضيين، التي آمنتها من خوف.

ومن سخرية الأقدار أن منظمي ملتقى لألعاب القوى في عمالة مولاي يعقوب، قد وجهوا الدعوة لأرملة الراحل لتكريمها على هامش الدورة التي حملت اسم زوجها عبد السلام الراضي، وخلال حفل توزيع الجوائز دعاها منشط الحفل إلى التقدم نحو المنصة لتسلم جائزة اعتراف وسط تصفيقات الحاضرين، وسط زحمة المصورين تلقت من يد أحد المسؤولين ظرفا أملس البشرة اعتقدت أن بداخله شيكا، وحين فتحته داهمتها مفاجأة كبيرة فالهدية عبارة عن تذكرة دخول حامة مولاي يعقوب صالحة لشخصين. زادت “الهدية” من منسوب الإحباط لدى أسرة البطل الراحل، بينما اختير أبطال آخرون ركضوا فوق بساط من ذهب ونالوا في نهاية مشوارهم صفة سفراء النوايا الحسنة.

ليس الراضي هو الذي خادم الدولة الذي انتهى به المطاف في طابور العوز والخصاص، فكثير ممن رفعوا راية الوطن اكتشفوا أن المواطنة ليست مرادفا للجهد، وأيقنوا أن المطلوب هو أن تكون مواطنا صالحا للاستخدام، إبحثوا عن الغازي والغزواني والمعروفي قبل أن يبتلعهم الحجود.

صحيفة الأخبار

comments powered by Disqus